ابن تيمية
69
منهاج السنة النبوية
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ عَلِيٍّ ، وَلَا نِزَاعَ فِي هَذَا ، لَكِنْ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَقْضَى الصَّحَابَةِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : " مَعْرِفَةُ الْقَضَايَا بِالْإِلْهَامِ " ( 1 ) فَهَذَا خَطَأٌ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْإِلْهَامِ بِمَعْنَى أَنَّهُ مَنْ أُلْهِمَ أَنَّهُ صَادِقٌ حَكَمَ بِذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الْإِلْهَامِ ، فَهَذَا ( 2 ) لَا يَجُوزُ فِي دِينِ الْمُسْلِمِينَ . وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : " « إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ، وَإِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ » " ( 3 ) . فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَقْضِي بِالسَّمْعِ لَا بِالْإِلْهَامِ ، فَلَوْ كَانَ الْإِلْهَامُ طَرِيقًا لَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَقَّ بِذَلِكَ ، وَكَانَ اللَّهُ يُوحِي إِلَيْهِ مَعْرِفَةَ صَاحِبِ الْحَقِّ ; فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى بَيِّنَةٍ وَلَا إِقْرَارٍ ، وَلَمْ يَكُنْ يَنْهَى أَحَدًا أَنْ يَأْخُذَ مِمَّا يُقْضَى لَهُ ، وَلَمَا حَكَمَ فِي اللِّعَانِ بِالْفُرْقَةِ قَالَ : " إِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا فَهُوَ لِلزَّوْجِ ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا فَهُوَ لِلَّذِي رُمِيَتْ بِهِ " فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ ، فَقَالَ : " « لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ » " ( 4 )
--> ( 1 ) وَهُوَ قَوْلُهُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي التَّعْلِيقِ الْأَسْبَقِ " . . . مَنْ يَقْضِي عَلَى سُنَنِ دَاوُدَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، يَعْنِي بِهِ الْقَضَاءَ بِالْإِلْهَامِ " . ( 2 ) س ، ب : وَهَذَا . ( 3 ) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 6 / 412 . ( 4 ) الْحَدِيثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي : الْبُخَارِيِّ 6 / 100 - 101 ( كِتَابُ التَّفْسِيرِ ، سُورَةُ النُّورِ ، بَابُ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ . . . ) وَأَوَّلُهُ : " أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ . . . الْحَدِيثَ وَفِيهِ . . . فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَبْصِرُوهَا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ الْعَيْنَيْنِ سَابِغَ الْأَلْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ " فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ " وَالْحَدِيثُ فِي : سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 2 / 369 - 370 ( كِتَابُ الطَّلَاقِ ، بَابٌ فِي اللِّعَانِ ) ، سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 5 / 12 - 13 ( كِتَابُ التَّفْسِيرِ ، سُورَةُ النُّورِ ) ، سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 1 / 668 ( كِتَابُ الطَّلَاقِ ، بَابُ اللِّعَانِ . وَانْظُرْ نَيْلَ الْأَوْطَارِ 7 / 67 - 68 .